●القِصّة منقولة عن الحاجّة حليمة الخطيب - رحمها الله - والأرجح - استنادًا إلى بعض المُعطيات التاريخيّة - أنّها جرت في خريف العام ١٩١٨:
كانت - رحمها الله - قد وصلت بمفردها إلى أرض لوالدها في منطقة "المَغاريق" في طرف قرية مزبود، لتَجني ثمار التّين؛ وبينما هي هنالك آمنة مطمئنّة صدمَها مشهد عدد من الرّجال يَصِلون إلى المكان، فبادرَت إلى أقرب شجرة مُلتفّة لتلقي بنفسها بين أغصانها المتداخلة علّها تحجُبها عن أنظار الغُرباء! والذي زاد المشهد دَهشة وخِيفة بالنسبة إليها أنّ الرّجال تكاثرت أعدادُهم حتّى ملأوا المكان، وهّم في زِيّ العساكر العُثمانيّة. أجل! إنّهم من رجال الجيش العثمانيّ.
لم يَكُن مِن المُعتاد في قريتِنا آنذاك رؤيةُ الغُرَباء إلّا في أندَر الأحوال؛ ولذلك فقد أصابَ الفتاةَ ما أصابها من ذُعر وارتٍباك وهي تُصدَمُ بجُموع منهُم تُحيط بها من كُلّ جانب!
لقد ملأوا المكان، وامتدّت أيديهم إلى شَجَرات التّين، وأخذوا يتناولون الثّمار حتّى لم يتركوا منها قليلًا أو كثيرًا. ثمّ تبدّل المَشهد أمام ناظِرَي الفتاة المتخفّية على نحوٍ يدعو إلى الدّهشة والعَجَب! مالهؤلاء الجُنود يأخذون حجارة حائط "الجَلّ" واحدًا بعد آخر ويضعونها على الأرض؟! ألم يكفِ أنّهُم قضَوا على الثّمار؟! ويريدونَ تخريب المزرعة؟!
صَبَرت الفتاة، ولم يكن أمامها سِوى الصّبر والانتظار. وبدأت الطمأنينة تسري في عُروقِها عندما أخذ الجنود يُغادرون المكان؛ ثمّ تنفّست الصُّعَداءَ عندما وجدت نفسَها بمفردِها من جديد. لكنّ مَشهد الأرض المغطّاة بالحِجارة سُرعان ما استولى على تفكيرها! فالحجارة تكادُ تُخفي لَون التُّراب!
وما لبِثَت حليمة أن تقدّمَت.. اختارَت حَجَرًا منها.. باشرَته بيدها.. رفعَته.. يا لَهَول المُفاجَأة!! إنّ كُلّ فَرد من الجُنود قد وضع ثمَن ما أكل من التّين تحت حجر!! لقد دَهَمهم الجوع فأكلوا؛ لكنّهم لم ينصرفوا قبل أن يتركوا ما يُعوّضون به أصحابَ الأرض.
انطلقت حليمة تحمِل سِلالَها الخاوِية مُسرِعة إلى والدِها في المنزل، وقَصّت عليه ما شاهدَت من أمر عَجَب! فما كان من الشّيخ عبد الرّحمن الخطيب إلّا أن أمر المُنادي أن يُنادي في أهل مزبود: يا أهل مزبود.. يا أهلَ مزبود.. إخوانُكم في الدّين من الجُنود العثمانيّين مُنسحبون.. افتحُوا لهُم بُيوتَكُم، فمنهم مَن يحتاج زادًا، ومنهم من يُريد أن يَغتسل لمُتابعة المَسير..
وانطوى المَشهَد..
لكنّ حليمة التي أخذتها الدّهشة لِما رأت من تصرُّف الجُنود العثمانيّين ورِقّة قلوبِهم، لم تكُن تعلم أنّ لكلّ فِرقة في ذلك الجيش شيخًا مُرشِدًا يُوقِفُهم عند حدود الشّريعة الغَرّاء، وأنّ أحد هؤلاء المُرشدين سيُقيمُ في المُستقبل حلقة عِلم في منزلها بعد أن يتزوّجها الرّجل الطيّب الحاجّ محمّد ديب عيسى.
●خِتامًا: لقد دَأَب كثير من مفكّري هذا البَلَد على مهاجمة العثمانيّين، كما وقع ذلك في رواية "الرّغيف" لتوفيق يوسف عوّاد، وفيلم "سَفَر بَرلِك"؛ ولا يزال يُلقَّن الطُّلّاب في كُتب التاريخ المدرسيّة ما يُجافي الحقيقة ممّا يَفترونه على السّلطنة؛ ولو أعادَ الباحثون دراسة تاريخ لبنان لوقفوا على الحقائق وعلِموا الحَقّ. وإذا كانت هذه القصّة وأمثالُها تُروسًا صُلبة في وجه حَمَلات الافتراء، فكم في السّجلّات والوثائق المحفوظة من أدلّة ساطعة على رُقيّ العُثمانيّين وعِظَم مُنجَزاتِهم الحَضاريّة في بلادنا!
قناة قصة و عبرة على التلجرام
للاشتراك في القناة اضغط على الرابط :
https://t.me/story_to
كانت - رحمها الله - قد وصلت بمفردها إلى أرض لوالدها في منطقة "المَغاريق" في طرف قرية مزبود، لتَجني ثمار التّين؛ وبينما هي هنالك آمنة مطمئنّة صدمَها مشهد عدد من الرّجال يَصِلون إلى المكان، فبادرَت إلى أقرب شجرة مُلتفّة لتلقي بنفسها بين أغصانها المتداخلة علّها تحجُبها عن أنظار الغُرباء! والذي زاد المشهد دَهشة وخِيفة بالنسبة إليها أنّ الرّجال تكاثرت أعدادُهم حتّى ملأوا المكان، وهّم في زِيّ العساكر العُثمانيّة. أجل! إنّهم من رجال الجيش العثمانيّ.
لم يَكُن مِن المُعتاد في قريتِنا آنذاك رؤيةُ الغُرَباء إلّا في أندَر الأحوال؛ ولذلك فقد أصابَ الفتاةَ ما أصابها من ذُعر وارتٍباك وهي تُصدَمُ بجُموع منهُم تُحيط بها من كُلّ جانب!
لقد ملأوا المكان، وامتدّت أيديهم إلى شَجَرات التّين، وأخذوا يتناولون الثّمار حتّى لم يتركوا منها قليلًا أو كثيرًا. ثمّ تبدّل المَشهد أمام ناظِرَي الفتاة المتخفّية على نحوٍ يدعو إلى الدّهشة والعَجَب! مالهؤلاء الجُنود يأخذون حجارة حائط "الجَلّ" واحدًا بعد آخر ويضعونها على الأرض؟! ألم يكفِ أنّهُم قضَوا على الثّمار؟! ويريدونَ تخريب المزرعة؟!
صَبَرت الفتاة، ولم يكن أمامها سِوى الصّبر والانتظار. وبدأت الطمأنينة تسري في عُروقِها عندما أخذ الجنود يُغادرون المكان؛ ثمّ تنفّست الصُّعَداءَ عندما وجدت نفسَها بمفردِها من جديد. لكنّ مَشهد الأرض المغطّاة بالحِجارة سُرعان ما استولى على تفكيرها! فالحجارة تكادُ تُخفي لَون التُّراب!
وما لبِثَت حليمة أن تقدّمَت.. اختارَت حَجَرًا منها.. باشرَته بيدها.. رفعَته.. يا لَهَول المُفاجَأة!! إنّ كُلّ فَرد من الجُنود قد وضع ثمَن ما أكل من التّين تحت حجر!! لقد دَهَمهم الجوع فأكلوا؛ لكنّهم لم ينصرفوا قبل أن يتركوا ما يُعوّضون به أصحابَ الأرض.
انطلقت حليمة تحمِل سِلالَها الخاوِية مُسرِعة إلى والدِها في المنزل، وقَصّت عليه ما شاهدَت من أمر عَجَب! فما كان من الشّيخ عبد الرّحمن الخطيب إلّا أن أمر المُنادي أن يُنادي في أهل مزبود: يا أهل مزبود.. يا أهلَ مزبود.. إخوانُكم في الدّين من الجُنود العثمانيّين مُنسحبون.. افتحُوا لهُم بُيوتَكُم، فمنهم مَن يحتاج زادًا، ومنهم من يُريد أن يَغتسل لمُتابعة المَسير..
وانطوى المَشهَد..
لكنّ حليمة التي أخذتها الدّهشة لِما رأت من تصرُّف الجُنود العثمانيّين ورِقّة قلوبِهم، لم تكُن تعلم أنّ لكلّ فِرقة في ذلك الجيش شيخًا مُرشِدًا يُوقِفُهم عند حدود الشّريعة الغَرّاء، وأنّ أحد هؤلاء المُرشدين سيُقيمُ في المُستقبل حلقة عِلم في منزلها بعد أن يتزوّجها الرّجل الطيّب الحاجّ محمّد ديب عيسى.
●خِتامًا: لقد دَأَب كثير من مفكّري هذا البَلَد على مهاجمة العثمانيّين، كما وقع ذلك في رواية "الرّغيف" لتوفيق يوسف عوّاد، وفيلم "سَفَر بَرلِك"؛ ولا يزال يُلقَّن الطُّلّاب في كُتب التاريخ المدرسيّة ما يُجافي الحقيقة ممّا يَفترونه على السّلطنة؛ ولو أعادَ الباحثون دراسة تاريخ لبنان لوقفوا على الحقائق وعلِموا الحَقّ. وإذا كانت هذه القصّة وأمثالُها تُروسًا صُلبة في وجه حَمَلات الافتراء، فكم في السّجلّات والوثائق المحفوظة من أدلّة ساطعة على رُقيّ العُثمانيّين وعِظَم مُنجَزاتِهم الحَضاريّة في بلادنا!
قناة قصة و عبرة على التلجرام
للاشتراك في القناة اضغط على الرابط :
https://t.me/story_to