توقف النبض في تلك الغرفة القديمة، لم يسقط شيء على الأرض سوى الهدوء. كان هدوءاً ثقيلاً، من النوع الذي يجعلك تسمع صدى أفكارك وهي تتكسر. على الرف المتآكل، تقبع قارورة زجاجية صغيرة، جمعتُ فيها قبل أعوام قطرات المطر التي سقطت في اليوم الذي التقينا فيه. كانت تبدو حينها كأنها تضم الشتاء بأكمله، أما اليوم، فلم تعد سوى ماءٍ راكدٍ نسيَ كيف يبتسم للسماء. أصعب ما في الفقد، ليس اللحظة التي يرحلون فيها، بل تلك اللحظات الصامتة التي تليها، عندما تجلس في المقهى المعتاد وتطلب كؤوساً لتشربها وحدك، أو عندما تمرُّ بذكرياتهم في أزقة المدينة، فتكتشف أنك أصبحت غريباً في المكان الذي كنت تدعوه يوماً "وطنك". لقد تعلمتُ كيف أبتسم للغرباء، وكيف أقول "أنا بخير" بنبرة متزنة لا تثير الشكوك. لكنك حين تغلق الباب خلفك في نهاية اليوم، وتنزع عن وجهك هذا القناع الصغير، تدرك أنك مجرد هيكلٍ يخفي داخل سديمه مدينةً مدمرة. نحن لا نموت عندما تتوقف قلوبنا، بل نموت في كل مرة نتمنى فيها لو أن الذكريات تُنسى كما تُنسى الأسماء القديمة، ثم نكتشف أنها حُفرت في الروح بعمقٍ لا يصله النسيان.