يَا لَيْلَةَ العِلْمِ أَيْنَ بَهَاؤُكِ؟
يَا أَنَا يَا مَنْ كُنْتُ تِلْمِيذَ النُّورِ، وَابْنَ المَحَابِرِ، وَرَفِيقَ الدُّجَى إِذَا اسْتَيْقَظَ القَلَمُ!
أُسَائِلُكَ وَالقَلْبُ مُثْقَلٌ: أَيْنَ أَنْتَ مِنِّي؟ أَيْنَ تِلْكَ الهِمَّةُ الَّتِي كَانَتْ تَشُقُّ الغَيْمَ، وَتَسْتَنْطِقُ الصَّخْرَ، وَتَرَى فِي السَّهَرِ عُرْسًا؟
ضَلْتُ عَنِّي.. فَقَدْتُ مِعْرَاجِي، وَانْطَفَأَ فِي صَدْرِي سِرَاجٌ كُنْتُ أَهْتَدِي بِهِ إِذَا ادْلَهَمَّتِ الدُّرُوبُ. كُنْتُ أَظُنُّ أَنَّ طَرِيقَ العِلْمِ لَا يَعْرِفُ الخُذْلَانَ، فَإِذَا بِي أَخُونُ نَفْسِي قَبْلَ أَنْ تَخُونَني الأَيَّامُ.
يَا حَسْرَتِي عَلَى زَمَنٍ كُنْتُ فِيهِ إِذَا قِيلَ "العِلْمُ" اهْتَزَّتْ لَهُ أَضْلُعِي، وَإِذَا ذُكِرَ "المَجْدُ" قَامَتْ لَهُ رُوحِي. فَصِرْتُ اليَوْمَ أَشْتَرِي بِالدَّقَائِقِ الغَفْلَةَ، وَأَبِيعُ السَّاعَاتِ بِثَمَنٍ بَخْسٍ.. وَكَأَنِّي مَا عَرَفْتُ يَوْمًا أَنَّ العُمْرَ إِذَا مَضَى لَا يَعُودُ.
لَا تَسْأَلُوا عَنِ السَّبَبِ.. فَفِي الصَّدْرِ جُرْحٌ لَا يُحْكَى، وَفِي الرُّوحِ انْكِسَارٌ لَا يُشْرَحُ. لَكِنِ اسْأَلُوا عَنِ النَّدَمِ: فَهُوَ نَارٌ تَأْكُلُنِي كُلَّمَا رَأَيْتُ ظِلِّي القَدِيمَ يَمُرُّ أَمَامِي.. ذَلِكَ الظِّلُّ الَّذِي كَانَ يَحْمِلُ كِتَابًا لَا يَنَامُ.
يَا طَالِبَ العِلْمِ الَّذِي يَقْرَأُنِي الآنَ: لَا تَكُنْ أَنَا بَعْدَ حِينٍ. لَا تُطْفِئْ مِصْبَاحَكَ بِيَدِكَ، وَلَا تَجْعَلْ لِغَفْلَتِكَ عُذْرًا. فَإِنَّ أَقْسَى الخَسَارَاتِ أَنْ تَفْقِدَ نَفْسَكَ وَأَنْتَ حَيٌّ، وَأَنْ تَمُوتَ هِمَّتُكَ وَالدَّمُ يَجْرِي فِي عُرُوقِكَ.
أَنَا لَا أَكْتُبُ لِأَشْكُو.. بَلْ لِأَصْرُخَ فِي وَجْهِ سُبَاتِي: قُمْ، فَمَا زَالَ فِي العُمْرِ بَقِيَّةٌ، وَمَا زَالَ فِي الكِتَابِ صَفْحَةٌ بَيْضَاءُ تَنْتَظِرُكَ.
فَإِمَّا أَنْ أَعُودَ كَمَا كُنْتُ أَوْ أَمُوتَ وَأَنَا أُحَاوِلُ.