ثم بنظرة العين لها قالت:
لو تعلمين!
يزدانُ قلبي كلما ازدادت صحائف القرآن واقترب الفرح وأنت تُسمّعين.
ولو أنكِ رأيتِ قلبي وأنت تقرئين، لكأنّما حروفكِ يا ابنتي تنسكِبُ من فاكِ في قلبي، فتفيض بالفرح على قسمات وجهي ابتسامًا، رغمًا عني.
لكأنكِ سكبتِ ماءً بتلك الحروف في قلب شجرةٍ فأورقتْ وأثمرت وبسقت بأغصانها أفنانا.
فلو تعلمين!
أن الدنيا كلها بمباهجها ومناسباتها لا تعادل ساعةً أجلس فيها طويلًا لله دون أجر أو ثواب لأسمَعَكِ تسمّعين، فيهبني الله من نفحاته وأنسهِ وعنايته عطايا.
ولو تعلمين!
كيف يبلغ بي السرور عنان السما مع كل جزء جديد تُتقنين، مع كل نجاح في الدنيا أو الآخرة تحصدين، لكأنني أنا، وما كنت أنا.
لو تعلمين يا بضعة القلب كيف ينتشي القلب، كيف يطرب القلب، كيف يرتوي القلب، وأنت تسترسلين متقنةً من صفحة لصفحة، بلا تلكؤٍ ولا ملالة، وقد بلغتِ درجة المتقنين.
وعن سروري من حرقتك لأجل القرآن أحدّث عنك المباهج والمعالي والشرف.
ويسوؤني -لو تعلمين- ما يسوؤكِ، يجرح قلبي دمعك، يسقط عليه كما شوظ اللهب، إن اضررتُ أن أقول لكِ: إعادة..
فتتساقط اللآلئ من عيونٍ تغرف من القرآن نعيمها.
أقولها!
وأتمنى لو لا أقول! أو لو أستطيع العون بكل كلي خوفا عليكِ من الذبول، لكن يا ابنتي إنه القرآن، وإني أخاف: (وقِفوهم إنهم مسؤولون) عن كل حرف، عن كل سهو، عن كل مخرج، عن كل صفة ومدّ، عن كل حفظٍ سريع، عن كل شرود مني وأنت تقرئين، إني مسؤولةٌ وكلنا مسؤولون، لأنه كلام الله..
لكن!
لو تعلمين!
كيف أفرح حين تثبتين على الدرب، حين تجوزين الصعب، حين تأخذين الكتاب بقوة، في الملبس والصدق والحال والعبادة والوعي والعلم والترتيل والتدريب، حين تتمسّكين به أكثر، حين لا يُعيقك شوك الطريق وعسر الركوب فتأتين لبيت الله ماشية تحت الشمس، بقلبٍ معلّق بالمساجد، موعود بظل الله يوم النشور.
حين لا يصدك التكرار والفشل فتنجحين باختبار صدق الطلب عند الله..
وحين أرمقكِ من بعيد، تعانقين القرآن، تجوبين بحبٍّ حنايا المسجد الذي قال لي أنه يحبكِ، وأنت ترتلين وتُثبّتين، أرى المسجد يكادُ يرفعكِ للثريا بدل الثريات، لأن نور قلبك بالقرآن فاق نوره، أراه يود لو كان سجاده سحابًا يحملك نحو الشمس إعزازًا لكلام الله، أره يسكن ويطمئن بجدرانه وهو يسمع التراتيل، أراه يعشق التنزيل، أره يهدأ ويهنأ بشابة حنونة رقيقة على وجهها رونق الصفحات تقرأ عليه السور وهو يسمع، أراه يضيفك كأسًا من السكينة، فخبّرينا عن طعمها ومِزاجها الكافورا خبرينا..
يا بضعة القلب: قلبي مسجد ثانٍ مفتوح لك دومًا، يسمع لك البثَّ والشكوى، ويحتوي كل اعتراض ويجيب كل سؤال، ويسمع للآيات، لكن عاهدينا أن تكوني لرسول الله صلى الله عليه وسلم أُمّة، قائمة بالقرآن.
يا ابنتي:
انظري هذا طريق الجنة، هذا حبل الله في دنيا غرقى بالفتن والشدائد، فاستمسكِ به إنه القرآن، إني أخاف عليكِ الدنيا.
هو حب بالله يا ابنتي ينعقد بحبل النور، حبل السند، هو أشد ميثاقًا من الجبال الرواسي، هو دعاء بظهر الغيب وحنوٌّ واحتواءٌ وتربيةٌ وعناية، (فاستمسكْ بالذي أوحي إليك..)
نور عدنان الزرعي
https://t.me/nourzaraae