فِ لَيلةٍ ساكِنةٍ مِن ليالي الدّنيا، هَدأَتِ البيوتُ، وسَكنَتِ الطّرُقات، وغَفتِ العيونُ، ولم يَبق مُستيقِظا إلاّ قُلوب قَليلَة اختارَت أن تَقومَ لِلَّهِ فِ تلكَ السّاعَةِ الّتي يَكثرُ فيها الغافِلون.
استيقَظَ أحدُهُم على غَيرِ عادَتِهِ، وكأنَّ في قَلبِهِ نِداء خَفيّا يَدعوه إلى القِيام. نَظَرَ حَولَه، فَوَجَدَ كُلَّ شَيءٍ هادِئًا، والظَّلامُ يَملأ المكان، فَتَذَكّرَ أنّ هذِهِ السّاعاتِ مِن أعظَمِ الأوقاتِ عِندَ الله، حِين يَنزِلُ رَبُّنا نُزولاً يَليقُ بِجلالِهِ فيَقول:
"هَل مِن سائِلٍ فَأُعطيَه؟ هَل مِن مُستغفِرٍ فَأغفِرَ لَه؟ هَل مِن داعٍ فَأستجيبَ لَه؟".قامَ متَثاقِلاً قَليلاً، ثمَّ تَوَضّأ، وكانَ الماءُ البارِد على وَجهِهِ كأنّه يُوقظُ قَلبَهُ قَبلَ جَسَدِهِ. وَقَفَ يُصلّي، رَكعات خاشعَةً في ظلمَةِ اللّيل، لا يَراه أحدٌ مِنَ النّاس، ولا يَسمعُ صَوتَه أحد.
قَرَأَ مِن القرآنِ ما تَيَسَّر، وكُلّ آيَة تَمُرّ على قلبِهِ كأنّها تُخاطِبهُ وَحدَه. فَإِذا مَرَّ بآيَةِ رَحمَة سَأَل اللهَ من فَضلِهِ، وإذا مَرّ بآيَةِ عَذابٍ استعاذَ بالله، حتّى شَعَرَ أنَّ قَلبَه قد لانَ بَعدَ قَسوَة، وأنَّ عينَيهِ امتلأتا بِدُموعٍ لَم يَعتَدها.
طالَ سُجودُه تِلكَ اللّيلَة، ولم يَكُن يَدعو بِكَلماتٍ كثيرَة، بَل بِكَلماتٍ صادِقَةٍ خَرَجَت مِن قَلبٍ يَعرِف ضعفَه، ويَعلَم أنّ لَه رَبّا كَريما لا يَرُدُّ مَن دَعاه.
ومَعَ اقترابِ الفَجر، جَلَسَ قَليلاً يَنظرُ إلى السّماءِ وقد بَدأ نورها يَلوح.
شَعَرَ بِسكينةٍ فِ صَدرِه، وطُمأنينةٍ كأنَّها هِديَّةٌ مِنَ الله لِمَن قامَ لَهُ في الخَفاء.
فَعَلمَ حينَها أنّ قِيامَ اللّيلِ لَيسَ مُجَرّدَ رَكعاتٍ في ساعَةٍ مُتَأخِّرَة، بَل هُو سِرٌّ بَينَ العَبدِ ورَبِّهِ، ومَوعدٌ مَعَ الرَّحمَة، وراحَةٌ لا يَعرِفُها إلاّ مَن ذاقَ لَذّةَ الوُقوفِ بَينَ يَديِ الله حينَ يَنام النّاس.
بقلمِي: