عامٌ على عرفة الماضي 🌸
يرتحل اليوم عامٌ كان مبتدأه برحمة الله تعالى عرفة الماضي، وأشهدُ الله أن رفقه قد لزمني، وهداه قد أظلني وأورف عليّ، وكم تداركتني رحمته قبل أن أسقط، عام رأيتُ فيه ما أحبُّ، ورأيت ما أكره حتَّى أرى ما أحب، وهذا لطفٌ لم أعهد لمثله شبه، يقودُ مثلي أن ترى بعين اليقين بأن الأشياء ليست على معهوداتها، حتى تلك التي سلَّمنا بتعريفها كما نخبر ونرى، فكانت غير ذلك في علم الغيب عنده، عام سللتُ فيه يدي وقلبي من الناس يوم علَّمني ربي في ثاني صباحاته أن زكريا -عليه السلام- إذ نادى ربه نداء خفيا، ولم أكن زكريا ولا قلبه ولا شيئا منه، لم يكن يلزم أن أكون، ويكفي أنه هو الله الوهاب ربي ورب زكريا، وآتاني وعلمني وأقر عيني، حتى اتسعت نفسي كسماء.. وكانت الأرض رتقًا لها! وحقَّ لها أن تفتق، لا شيء أشد من البلاء؛ ولكن رحمة ربي تسعُه، يجتمع البلاء بكيفه وكمه كأنه أجمع أمره، ولله الأمر من قبل وبعد، ذات يوم كان صباحه كليله، يشق النهار الليل كما تشق السمعُ آية رحيمة، تتلى فتُسمع مني كلَّ شيء، لأعلم أنه يرى، وأن الفرج قريب، وربك الرحيم يُريني كل تلك البعثرة من زاوية الرحمة لا العذاب، ويبشرني الغمام بالغيث، ويبصرني الضيق بالفرج، وأنه وإن تطاولت أيدي البلاء فإنها قاصرة أن تمد يدها إلى قلبي، أعجل فأتأنى وقد عاينت تدبير المولى، أعجب فأتيقن وقد علمت حكمة الإله، هذه أسماؤه التي لا تنفك عن أقداره.. فكيف يحيا من لا يبصرها، ووالله لا يحيا من لا يذكر الله، يوم تأتيك المحنة أو المحنة.. ولا ترى الله، فتؤنسك النعمة حتى تنسيك ذكر ربك، أو توحشك الكربة فتنسيك ما عهد لك من إحسان ربك، حسبك ألا تفرح بها ولا تأسى! وألا تحدث فيك الأقدار علمك بربك، بل اجعلها شاهدًا على علمك به، ومن عظيم شواهد ذلك أنه عندما رأى الصحابة الأحزاب واشتد البلاء قالوا: «هذا ما وعدنا الله ورسوله وصدق الله ورسوله» وقد قال الله تعالى: «ولنبلونكم بشيء من..».
أما استشعار النعم نعمة، فمن تبصر في أقدار الله بَصُر ورأى رحماته تترى، لا تغادر منه صغيرة ولا كبيرة ولا جملة ولا تفصيلا، و سيجعل الله بعد عسر يسرا، ولا نسأله إلا العفو والعافية، وألا يعاملنا إلا بلطفه وإحسانه.
__
عامٌ آخر ومحطات أخر، مبتدأه زمنيا الغد إن شاء الله تعالى، أقول فيه ربي علمني عنك وفهمني منك وسلّم قلبي لك، أدعوكَ فيه من بقعة جديدة، وبطوية لم أعهدها من قبل، ويكفيني ما عهدتُ منك، بصوتي الخفي الذي يُسمع عندك، فاللهم ربَّ عرفة ارزقنا الدعاء المستجاب، وذكِّر بنا ذوي الدعاء المستجاب، وارضى عنا وعن الأهل والأحباب 🌸