بقيتُ وحيدًا على طرف التاريخ
انعكاسُ جُثّةٍ على وجهِ النهر الأحمر.
ككلِّ الأطفال في الحديقة
تبادلتُ الآراء عن قدسيّة الأرواح
سقط الربُّ في أفواه البنادق
وغَرِقَت النبوءةُ في برك الدمّ الكثيرة.
سجِّل:
أنا لم أغدو سفاحًا
وقفت حين فتح الباب
كيف يطير من لا بيت له؟
سوى القفص.
رسمتُ بدمائي على الجدران
لن أسامح.
أخًا بأخٍ
والغابةَ بغابة
والنواح.. بالنواح..
لا أعبدُ ربًّا يعمّر الفراغ
أعبدُ من تخبز رغيفًا
لبطنٍ جائعة.
وطني؟
وطني احترق
باسم إلهٍ عبثيٍ لا يتدخّل.
كيف أسامح، أمي؟
بدّلت ألعابي ببندقية
وأختي الصغيرة
رسمت صاروخًا بدل شجرة.
لا أعبد ما تعبدون.
ربّكم أعمى
ونحن نبصر الحقّ.. الله.
أعلم أن الأفق أوسع
من إرهاب باسم سلام.
لكن ما العمل؟
الحريق يغطّي الأفق
وأنا طفلٌ صغير.
أكاد لا أفرّق الهمزات بين وصلٍ وقطع.
إلا أني أعرف تمام المعرفة
الفرق بين صوت الطائرة الحربية..
والمروحية.
كلُّ رجال الدين
حوّلوا القرآنَ لقنبلة
والرسولَ لسفّاحٍ عقيم.
كلُّ من يعبد ربًّا
أضعفُ من أن يقتل.
يختبئ خلف عمامة
ابن قحبة.
علّمني أبي كيف أحرّك القطع.
أنا من كوّر الأحجية.
ورقصَ فوق الدّيانات
حُرًّا بالندبات
غير مطلق.. بالذّات.
فكلّكم أولاد قحبة.
الفرق أنكم تتسوّلون فتوى
باسم الجهاد.
لا الرغيف
ولا القلم.
وقفت أخيرًا
أنا في وجه العدم.
وككل الطيور المنكسرة
لم أقوَ الطّيران بجناحٍ واحد.
كلّهم صرخوا: حرية.
أنا وحدي على ضفّة بردى.
علمتُ أن حريةً خلفها رجال دين
لن تحقق.
وككل المجازر
من القرى التي غدت رمادًا على البحر
مات الناجون بصدى الغياب.
ببرميلٍ.. بـ"الله أكبر" صادحة.
بعلمٍ ملوث.. أو آخر سفيه.
في الشوارع التي كنت ألعب فيها
صار العشبُ رمادًا.
والمدارس أقفلت أبوابها إلى الأبد
قبل أن تغدو ملجئًا للنازحين.
وأصوات الأذان صارت تُقطع كالبثّ المعطوب
حين يعلو فوقها صفير الصواريخ.
الله أكبر.
علينا وعليهم.
على الوطن والقادة.
على القوارب والأشرعة.
وعلى البحر الذي اشتهى لحم أولاد الوطن.
وفي الهدنة المنكوسة
حين يهدأ القصف
يزورني صوت الأمهات وأطفالهم من خلف الجدران السميكة:
"لا تنسَ أسماءنا".
كأنهم يخافون الموت مرتين:
مرة حين المجازر
ومرة في الذاكرة.
فنصركم الموعود
لا يأتي بدماء أخوتي.
ولا على جثث أولادي.
ولا بسلب شرف المحصنّات
بغطاءٍ دينيّ عاهر.
أنا ابن سوريا
قبل أن تكون سوريا إمارة
وقبل أن تكون معقلاً للقواعد العسكرية
ولا حلبة صراع للإقليم بأكمله.
لا سوريّ أنا.
طفلٌ لا نبوءة له.
غاب مع الغياب.
عاد مختبئًا بالظلام
من سيوف الجلادين،
من صرخات المعتقلين،
ونحيب الأمهات،
وحسابات القادة البنكية.
فتسقط سوريتي
مع أول جثة
وآخر قيامة على أرض المشرق.
حين تحوّلت لعبتنا المفضلة
من إيجاد الأطفال الآخرين في الحي
إلى إيجاد الأطفال الآخرين بين الركام.
بعد أن تهدأ الطائرات.. تغادر السيوف.
ويبقى الصمت الموبوء نفسه.
صمتًا.. يعرف أنّه لن يزول.
فالمسيح غادر.. وغاب أبناؤه.
ومحمد هجر المقدس.. إلى أرض أقدس.
ليعيث الأبناء بأسم الآباء
ويسقط الوطن بين الأقدام الكثيرة.
•لَيث.