"همس الصخب "... بعد أن أطبق الزحامُ بأثقاله، وارتفعت أصوات الدنيا حتى كادت تبتلع القلب، تهتُّ صوب البحرِ، ذاك الهادئ العظيم، حيث يحتضن السماءَ برحابة لا تُحد، وينساب كلوحة أزرق لا ينضب.
جلستُ على رماله الناعمة، التي تحكي صبر الأرض بصمتها البارد، وأصغيتُ إلى همس الموج، ذلك النبض الأبدي، الذي يرقص مع نسمات الريح العليلة، كأنهما تناغمٌ خالد بين البحر والسماء.
ها هنا، في حضرة الهدوء، يذوب ضجيج الحياة، وتنساب الأفكار في سكونٍ عميق، كأن السكون نفسه حركة خفية، تنسج من الصمت موسيقى السلام.
السماء فوقي، بلباسها الأبيض من الغيوم، تراقب الأفق بصبر الوالد، تنتظر شروق الشمس أو غروبها، لتلون الأفق بألوان لا تملك الكلمات وصفها.
والبحر، ذاك الأزرق الذي لا يعترف بالنهايات، يشبه قلب شاعرٍ يحمل في أعماقه ألوان الحزن والفرح، ملوحته كدموع العائدين من غياهب الليل، وصوته كمقطوعة موسيقية كتبها الزمن وأبدعها الخلق.
في كل موجة تهب، أسمع دعوة للحياة، وفي كل انسحاب لها، أقرأ درسًا في الفراق والانتظار.
وهكذا، وسط هذا السلام الأزرق، عرف قلبي أن بعد الضجيج، يولد السكون، وأن في حضرة البحر وحده، تنمو بذور التأمل، وتُشرق أنوار الصفاء.
ـ وتين