•|| قد يدل العقل على الصفات الخبرية عند الأشعرية .
قال سيف النظر الأستاذ الإمام أبو القاسم سليمان بن ناصر الأنصاري تـ511هـ -تلميذ إمام الحرمين- في كتابه العباب [ الغنية في الكلام ] (2 / 711 ) -حاكياً نزاع أصحابه في دلالة العقل على الخبرية من الصفات- : [ وأما اليد والوجه : فقد اختلف أصحابنا في الطريق إليها ؛ فقال بعضهم :
قد كان في العقل ما يدل على ثبوت صفتين يقع بإحداهما الاصطفاء بالخلق ، والاجتباء بالتقريب في التكليم والإفهام .
لكنه لم يكن في العقل دليل على تسميته ، فورد الشرع ببيانها ؛ فسمى الصفة التي يقع بها الاصطفاء بالخلق يداً ، والصفة التي يقع بها التقريب في التكليم وجهاً ] .
•قلت :
وهذه إشارة إلى حكاية نزاع أصحابه في دلالة العقل على الصفات الخبرية ، وبهذا يندفع اعتراض بعض الأشعرية -المعاصرين!- على قاعدة : (القول في بعض الصفات كالقول في البعض الآخر) من جهة التفريق بين الخبرية وغيرها .
فإن ثبت لله -تعالى- بـ (دلالة العقل) -والنقل كذلك- إثبات القدرة بـ الفعل الحادث ، والإرادة بـ التخصيص ، والعلم بـ الإحكام .
فـ قد يدل العقل على الخبرية كـ الإحسان على الرحمة ، والإكرام على المحبة ، وما ذكره المصنف في اليد والوجه -كذلك- .
هذا وإن لم يدل الدليل المعين فلا يستلزم عدم المدلول المعين ؛ فإن كان العقل لا يدل عليها فلا ينفيها ، والقول في النفي كـ الإثبات على سواء من جهة الاستناد إلى دليل ، ناهيك عن دلالة الخبر عليها !
ويقال -أيضا- : قد تنازع الأشعرية في طريق إثبات السمع والبصر والكلام على مسالك ، وقد فضل بعض نظارهم دلالة السمع ، لـ عدم سلامة دلائل العقل عليها أو غموض مقدماتها ، فـ أشهر ما في المسألة كـ(التقابل ، والكمال) من دلائل المعقول لم تنجع في غايتها على المراد عند بعض فحولهم ، ونقد أكابرهم كـ الرازي تـ606هـ ، والآمدي تـ631هـ ، والإيجي تـ756هـ ، والجرجاني تـ816هـ ، -وخلق آخر- دلالة العقل على السمع والبصر والكلام .
وجواب هؤلاء على المعتزلة عند الاحتجاج بـ(عدم دلالة العقل عليها) جوابنا على ما يوردونه علينا .
وليس المقصود هاهنا تحقيق القول فيها -في هذه العجالة- ؛ وإنما هي إشارة إلى وجود النزاع عند الأشعرية في الطريق إلى الخبرية خلافاً لـ هؤلاء ممن رام إبطال القاعدة المشتركة بيننا ، وإلا فقد طبقها أئمة الكلام وصيارفته في نقودهم على الخصوم كما تراه في صنيع أبي الحسن الأشعري تـ325هـ ، وأبي بكر الباقلاني تـ403هـ في تطبيقها بين الخبرية وغيرها كـ (اليد) وردهما على من حملها على النعمة بـ اعتبار القول فيها على الحياة والعلم والقدرة حيث لا نعقل هذه الصفات إلا جسماً .
أو صنيع إمام الحرمين الجويني تـ478هـ في تعقباته على أئمة أصحابه ممن أثبت اليدين لله -تعالى- ونحوها بأن يسلكوا هذا المنهج في الإثبات الخبري في بقية الصفات الأخرى !
ومن تتبع هذه المسائل في مظانها عند أكابرهم سيجد ما يعكر ما يريده بعض كتبة الأشعرية ممن ابتلانا الله بـ أكتوباتهم الهزيلة !
وليس المقصد تصحيح ذلك أو إفساده ؛ وإنما الغرض وضع هذا الاستعمال بين الخبرية وغيرها عند أئمة المذهب خلافاً لـ هؤلاء المفرقين المبطلين لـ القاعدة ، ويأتيك -لاحقاً- مزيد بسط حول المسألة ، والله الموفق .
وكتب : محمود أبو حيَّان
——————
قناتي العلمية :
https://t.me/abo7eean