هل سيأتي يومٌ وتَضُرني؟
في زاويةٍ معتمةٍ من غرفتي، جلستُ كما أفعل كل يوم، أراقب الفراغ بصمت. كل شيء حولي ثابت، كأن الزمن توقف عندي وحدي بينما العالم يمضي. لا أعلم في أي يومٍ نحن، ولا أي شهرٍ أو سنة. الحياة تجري هناك، في الخارج، بعيدًا عني، ولا تصلني أخبارها إلا مصادفةً، حين يتحدث أحد أفراد عائلتي عنها.- العبير التواتي .
أزحتُ خصلةً من شعري عن وجهي، عينيّ المتعبتان تائهتان، تجولان بلا هدفٍ في الغرفة حتى استقرتا على المرآة... وبسرعة، أغمضتُ جفوني بقوة! لا أريد أن أرى نفسي. لا أريد أن أواجه تلك الحقيقة.
سأموتُ مائةَ مرة لو نظرتُ إلى وجهي.
لكن صوت جدتي اخترق ذاكرتي، كأنها أمامي الآن، بملامحها الحزينة، وعينيها الممتلئتين بالاستغراب حين رأتني قبل يومين.
"ما بكِ؟ لماذا وجهكِ شاحبٌ وغريبٌ جدًا؟ كأنكِ زهرةٌ قد ذبلت..."
كلماتها كانت كطعنةٍ بطيئة، أيقظتني من غفوتي المؤلمة. كيف وصلتُ إلى هذا الحال؟
كيف تحولتُ من إنسانةٍ تحب الحياة، تهتم بنفسها، تُقدّر ذاتها، إلى فتاةٍ حبيسة جدران غرفتها، بالكاد تخرج مرةً أو مرتين؟
أنزلتُ قدميّ من على السرير، محاولةً جمع شتات قوتي، لكن جسدي كان هزيلًا، وكأن الحياة تتسرب منه مع كل يومٍ يمر. فقدتُ شهيتي منذ زمن، وكأن الطعام لم يعد يعني لي شيئًا. رغم ذلك، جررتُ نفسي ببطء، خطوةً بعد خطوة، حتى وقفتُ أمام المرآة.
نظرتُ...
كما توقعتُ تمامًا.
وجهٌ شاحب، ملامحُ باهتة، عينان غائرتان كأنهما فقدتا بريق الحياة، هالاتٌ سوداء تحيط بهما كظلٍّ ثقيل، بقعٌ سمراء متناثرة على بشرتي، ندوبٌ خفيةٌ وأخرى ظاهرة، علاماتٌ لا تحصى تروي قصةَ سهرٍ طويلٍ وألمٍ متراكم.
لم أتحمل المشهد. شعرتُ بالدموع الساخنة تملأ عينيّ، ثم تسيل ببطءٍ على وجنتي.
هذا أنا؟
هذه الفتاة التي أمضت عمرها تعتني بنفسها، تهتم بأدق تفاصيلها، تسعى لأن تكون في أجمل حالاتها؟
أين ذهبت؟ متى اختفت؟ متى انهارت؟
"الله أكبر، الله أكبر..."
صوت الأذان...
كأنه نداءٌ خاصٌ لي، كأن الله يخبرني: تعالي، آن الأوان أن تنهضي.
مسحتُ دموعي.
مشيتُ بخطواتٍ بطيئةٍ نحو سجّادتي.
وقفتُ للصلاة.
لأول مرة منذ زمن... شعرتُ بشيءٍ يشبه السلام.
---
بعد الصلاة، شعرتُ برغبةٍ غريبة في الخروج من غرفتي، كأن خطوةً صغيرةً يمكن أن تغيّر شيئًا داخلي. توجهتُ إلى غرفة جدتي، تلك المرأة التي رغم شيخوختها، كانت دائمًا مليئة بالحكمة والقوة. طرقتُ الباب بخفة، ودخلتُ لأجدها جالسةً على كرسيها المعتاد، تسبّح بأصابعها، وملامحها الهادئة تعكس الطمأنينة.
رفعت رأسها ونظرت إليّ، وفي عينيها لمحتُ شيئًا يشبه الراحة، كأنها كانت تنتظر مني هذه الخطوة.
"تعالي، يا صغيرتي، اجلسي بجانبي."
جلستُ على الأرض قربها، وأسندتُ رأسي على ركبتها، وكأنني طفلةٌ صغيرة تبحث عن الأمان.
"جدتي... أشعر أنني ضائعة."
ابتسمتْ بحنان وربّتت على شعري، ثم قالت:
"أتعلمين، عندما كنتُ في مثل عمركِ، مررتُ بلحظاتٍ كنتُ أظن أنها نهايتي..."
ثم بدأت تحكي لي قصتها، عن صديقتها التي خانتها، عن الخذلان، عن الألم الذي ظنّت أنه لن يزول أبدًا. لكنها، رغم كل شيء، نهضت. قررت ألا تسمح للحزن بابتلاعها، وأصبحت أقوى مما كانت عليه يومًا.
"كل ألمٍ نعيشه، هو درسٌ يعلمنا شيئًا. وأنتِ الآن أمام اختيارين: إما أن تبقي سجينة حزنكِ، أو أن تنهضي، وتُعيدي رسم حياتكِ."
شعرتُ بكلماتها تلامس شيئًا عميقًا في داخلي، كأنها تدفعني للاستيقاظ.
"أريد أن أكون قوية، جدتي."
شدّت على يدي وهمست: "وأنتِ كذلك، وستكونين أقوى مما تتخيلين."
---
في تلك الليلة، نظرتُ إلى نفسي في المرآة، لكنني لم أرَ فتاةً ضعيفة بعد الآن. رأيتُ روحًا جديدة، قلبًا ينبض بالأمل، وعقلًا قرر ألا يستسلم.
"غدًا، سأبدأ من جديد."
---
واليوم...
لم أعد تلك الفتاة التي كانت تحبس نفسها في غرفتها، تغرق في حزنها، وتترك الأيام تمر دون معنى.
تغيّرتُ.
بدأتُ أعتني بنفسي، ليس فقط من الخارج، بل من الداخل أيضًا. بدأتُ أقرأ، أتعلم، أخوض تجارب جديدة، أضع أهدافًا وأحققها.
تدريجيًا، أصبحتُ شخصًا مسؤولًا، أقود مشاريع، أؤثر في حياة الآخرين، أحقق نجاحاتٍ كنتُ أظنها مستحيلة. كنتُ أعتقد أنني ضائعة، لكنني اكتشفتُ أنني كنتُ في رحلة للعثور على ذاتي الحقيقية.
الآن، عندما أنظر في المرآة، لا أرى الفتاة الضعيفة التي كانت هناك يومًا. أرى امرأةً قوية، صامدة، تعرف قيمتها جيدًا.
وجدتُ نفسي من جديد.
وأدركتُ أنني كنتُ دائمًا أمتلك القوة، كنتُ فقط بحاجةٍ إلى أن أؤمن بها.