اللَّهف.


Channel's geo and language: not specified, not specified
Category: not specified


يَا لهفتَاهُ عَلى عُمرٍ مَضى دُونَ جَدوَى.

Related channels

Channel's geo and language
not specified, not specified
Category
not specified
Statistics
Posts filter


Forward from: عَيْن
أتقلّب بين تساؤلاتٍ لا تسعفني لها إجابة، وكلما امتدّ الليل بثقله شعرتُ أن العتمة تخنقني أكثر. لا أعرف كيف أهادن هذا السواد الذي لا يشبهني، فقلبي كان — وسيظل — ميّالًا للنور. لذلك أنتظر شيئًا واحدًا فحسب: شروق الشمس، مُنقذتي التي تعيد الحياة لملامحي وتردّ الطمأنينة إلى صدري المُترعِ بالقلق.


ما كُنتُ مُذ كُنتُ إلّا طَوعَ خُلّاني
لَيسَت مُؤاخَذَةُ الإخوانِ مِن شَاني

يَجني الخَليلُ فَأستَحلي جِنايَتَهُ
حَتّى أدُلُّ عَلى عَفوي وَإحسَاني

ويُتبِعُ الذَنبَ ذَنبًا حينَ يَعرِفُني
عَمدًا وأُتبِعُ غُفرانًا بِغُفرانِ

يَجني عَلَيَّ وأَحنو صافِحًا أَبَدًا
لاشَيءَ أَحسَنُ مِن حانٍ عَلى جانِ.

- أبو فراس الحمداني.


سِرتِ فصارَ الوقتُ يُثقِلُ مُهجَتي
ويَسيرُ كالطَّودِ الشَّديدِ عَلى يَدِي

يَمضي بطِيئًا لا يُجاملُ وِحشتِي
وكأنَّهُ يَجْرَحُ فُؤادي فِي مَدي

عُودِي فَلَا غابَتْ حُروفكِ لَحظةً
قَد ضاقَ صَدري مِن بُعادكِ يا غَدي.


وَلا خَيرَ في خِلٍّ يَخونُ خَليلَهُ
‏وَيَلقاهُ مِن بَعدِ المَوَدَّةِ بِالجَفا

‏وَيُنكِرُ عَيشاً قَد تَقادَمَ عَهدُهُ
‏وَيُظهِرُ سِرّاً كانَ بِالأَمسِ قَد خَفا.

- الإمام الشافعي.




حلَّ الليل، وسكنت الأنفاس، وها قد آنَ أوانُ استكانةِ الشايِ خاصّتي… أصبُّ كؤوسي واحدًا تلوَ الآخر، ومع كلّ رشفةٍ أبحرُ أعمقَ في بحارِ التفكير، كأنّني أذيبُ في الشاي ما تبقّى من ضجيج النهار.

تتزاحمُ في خاطري أفكارٌ مبعثرة، وذكرياتٌ ضائعة بين الأمس والغد، أفتّشُ بين ثنايا الصمت عن نفسي، عن ملامحٍ لم أعد أميّزها، وعن أملٍ صغيرٍ يلوّح لي من بعيد، كنجمةٍ بعيدة لا أملك إليها سبيلًا.

أحيانًا أشعر أن المجهولَ يحدّق بي أكثر مما أحدّقُ فيه، وأن الطريق الذي أمشيه مفروشٌ بالأسئلة لا بالإجابات.
ومع ذلك، أعلّقُ على جدارِ المستقبل أمنياتي، لعلّ الغدَ يأتي وفي يدهِ بعضُ ما فقدتُ اليوم.

ثم أتنفّسُ بعمق، وكأنّ الشهيقَ يجمعُ ما تبعثرَ منّي، والزفيرُ يسقط عن صدري أثقالَ التفكير.
أبتسمُ بخفوت، وأدعُ قلبي يهدأُ قليلًا… فليس كلُّ ما ضاعَ يُراد إيجادُه، ولا كلُّ مجهولٍ يُخيف.
بعضُ الغموضِ رحمة، وبعضُ الانتظارِ طريقٌ إلى الطمأنينة، وهكذا، بين رشفةٍ وأخرى، أجدُ في سكونِ الليل معنىً آخر للسكينة.


تُرى هَل عَلِمتُم ما لَقيتُ مِنَ البُعدِ
لَقَد جَلَّ ما أُخفيهِ مِنكُم وَما أُبدي

فِراقٌ وَوَجدٌ وَاِشتِياقٌ وَلَوعَةٌ
تَعَدَّدَتِ البَلوى عَلى واحِدٍ فَردِ

_بهاء الدين زهير.


أُخفي خلف ثباتي الدائم كمًّا هائلًا من الحُمم، وأودِعها في فوهاتٍ خامدة؛ غير أنّ ذلك لا يعني استحالةَ ثورانها، فالضغطُ يولِّدُ الانفجارَ حتمًا، لا محالة.

البعض لا يرى سوى لحظة الانفجار، فيحكم أنّي سعيتُ إليها، متناسيًا ما كان قبلها من صبرٍ وثباتٍ ومحاولاتٍ لتجنب وقوع هذا الحدثِ المُروّع. لا يعلمون أنّ كل يومٍ مرّ عليّ كان معركة صمت، وكل ليلةٍ مضت كانت اختبارًا لإرادتي، حتى أنفاسُ قلبي كانت تتقن فنّ ضبط الانفعال.

لا يسعني سوى القول إن للصمت أعمارًا محدودة، وللقدرة على التحمل حدودا، إن تُجاوزت أدمت صاحبها. لقد تعِبتُ من التماس العذر لكل شيء، ومن تجميل ما يُنهكني كل ليلة، ومن إخفاء ما يتقد داخلي خوفًا من سوء الفهم أو الحكم الخاطئ.

الثبات يكلف النفس أكثر مما يظنّون، وما ثار في الجوف لم يكن وليد لحظة، بل نتيجة محاولات متكررة للاعراض عن ما يصعب الصبر عليه، عن المشاعر التي تنهش الروح بصمت، عن الأسئلة التي لا تجد إجابات، وعن الوحدة التي ترافقني حتى في حضور الآخرين.

ورغم كل ذلك، ما زلت أواصل السير، وأواصل الحفاظ على وجهي الصامت، لأنني تعلمت أن القوة ليست في الانفجار، بل في الصمود حين يظن الجميع أن الانكسار حتمي.


ثَمَّةَ ليل لا يشبهُ سائرَ الليالي، ليلٌ ينهشُك بصمتِه، ويُذكّركَ بأنَّك وحدَك في معركةٍ بلا سلاح.
تتفقدُ من حولكَ فلا ترى إلّا أطيافًا غادرت، تُمسكُ أنفاسكَ التي أثقلها الوجع، تتلمّسُ قلبك، فتجده كشيخٍ نَهَشَهُ التعبُ حتى النّخاع.

كأنَّ الدُّنيا خُلِقَت لتُعلّمكَ الفقد، ولتريكَ كيف يتساقطُ كلُّ ما ظننتَ أنك تملكه؛ الأصدقاءُ، والعافيةُ، وحتى روحُك حين يخذلها الجسد، وجسدك حينَ تخذله الصحة.

فما عادت الخطواتُ تستقيم، ولا النومُ يزورك إلّا مثقلاً بالوجع، تُداري الألم كمن يُخفي سيفًا في صدره، تبتسمُ كي لا يلحظ أحدٌ أنَّ جسدكَ يتهالك ببطءٍ يشبهُ الذبول.

تغدو غريبًا في أرضٍ تعرفك، تسيرُ في الطرقات ذاتها، لكنّ الخطى ليست لك، كأنّك ظلّ لإنسانٍ رحلَ منذ زمن.


خَدَعتَ الوُدَّ ما أَبقَيتَ عَهدًا
وَسِرتَ كَمَن يُخَادِعُهُ الضَّمِيرُ

رَجَوتُكَ يَومَ ضَاقَ الحَيلُ صَبرًا
فَجِئتَ لِقَلبِ صِدقِي بِالنَّفِيرِ

وَكُنتُ أَرَاكَ فِي المِحَنِ انتِصَارِي
فَصِرتَ عَلَى انكِسَارِي تَستَجِيرُ

تُخَادِعُنِي البَشَاشَةَ فِي لِقَاءٍ
وَتَغْدِرُ حِينَ يغشَّانَا المَصِيرُ

فَيَا لَكَ مِن صَدِيقٍ لا أُسَمِّي
أَكُنتَ لِرَيبِ أَيَّامِي تُدِيرُ؟

سَتَعلَمُ حِينَ يَنكَشِفُ الغُبَارُ
بِأَنِّي مَا خذلتُ وَلكِنَّ الغرُورُ

هُوَ الدَّاءُ الَّذِي أَودَى بِصَحْبٍ
كَمِثلِكَ لا وَفَاءَ وَلَا نَصِيرُ.




كلّما زعمتُ أن الذكرى لا تؤرّقني، عادت بي الليالي إلى لياليها، واسترجعت شريط الذكريات التي حاولتُ نسيانها مرارًا، ولكنني أبيتُ بالفشل في كل مرة. أجدني بتُّ أسأل النجومَ عنهم، ولمَ رحلوا.

وكأنَّ الرّحيلَ لم يكن حدثًا عابرًا، بل بصمةً خُطَّت في قلبي على مهلٍ، لتستثيرني كلّما ظننتُ أنني غرقتُ في نسيانهم. ما عاد الحنينُ ضيفًا، بل صار مقيمًا يُحادثني في سكون الليل عن وجوهٍ غابت، وأصواتٍ كانت تملأ الفضاء دفئًا.

أعاتب نفسي على ضعفها، وأدّعي الصّبر، لكنّ الذكرى تمسك بيدي كما لو أنّها تخشى أن أشفى منها. ما أقسى أن يتركك الوقتُ معلّقًا بين ماضٍ لا يعود، وحاضرٍ لا يفي بما مضى.

فأغلق أبواب الألم في قلبي، وأمضي… كمن يخطو على رماد الماضي، يحاول أن يجدَ نورًا في آخر النفق.


وَمَن ذا الذي يَبقى على العَهدِ إِنَّهُم
‏وَإِن كَثُرَت دَعواهُمُ لَقَليلُ

‏أُقَلِّبُ طَرفي لا أَرى غَيرَ صاحِبٍ
‏يَميلُ مَعَ النَعماءِ حَيثُ تَميلُ

‏وَصِرنا نَرى أَنَّ المُتارِكَ مُحسِنٌ
‏وَأَنَّ صَديقاً لايُضِرُّ خَليلُ.

‏_أبو فراس الحمداني.


غريقةٌ أنا في محيطٍ هائجٍ لا يهدأ، تتلاطمُ أمواجه كأنّها تنتقمُ من محاولاتي المستميتة للبقاء. كلّما ظننتُ أنّني اقتربتُ من النور، سحبني الظلامُ من كاحلي وأعادني إلى قاعٍ باردٍ يضيقُ بي رغم اتّساعه.
أُحاولُ أن أعلو، أتشبّثُ بأنفاسي المبعثرة، أقاومُ ارتطامَ التياراتِ بقلبي، لكنّني أُفاجأ بأنّ الموجَ لا يهدأ حين أهدأ، بل يثورُ أكثرَ كأنّه يغارُ من سكوني.

كلُّ محاولةِ نجاةٍ تُخلّفُ فيّ جرحًا أعمقَ من سابقتها، وكلُّ خيبةٍ تُعلّمني أنّ المُحيط لم يكن يومًا صديقًا للحالمين. أحيانًا يُصبحُ مرآةً لمخاوفي، وأحيانًا قبرًا لأحلامي الصغيرة التي لم تتعلّم بعدُ فنَّ الغرقِ بشجاعة.
ومع ذلك، لا أستسلم.
ما زال في صدري رمقٌ من رجاءٍ لم يبلله الموج، ونبضٌ صغيرٌ يهمس: “ما دام الله معكِ، فلن يبتلعكِ المُحيط.”

سأظلُّ أقاومُ حتى وإن خارت قواي، حتى وإن امتلأتُ بالملح والخذلان، سأسبحُ بإيمانٍ لا يُرى، وسأبلغُ! - ولو حبواً - برًّا من الطمأنينة ينتشلُ ما تبقّى منّي.


وكيفَ أنسى دِيارًا قد تَركتُ بِها
‏أَهلاً كِرامًا لَهُم وُدِّي وَإِشفَاقِي؟

‏إذا تَذكَّرتُ أيَّامًا بِهِم سَلَفت
‏تَحَدَّرت بِغروبِ الدَّمعِ آماقِي

‏فَيا بريدَ الصَّبَا بَلِّغ ذَوى رَحمِي
‏أنِّي مُقيمٌ على عَهدِي ومِيثاقِي.

_البارودي.




سَكبتُ هَواكَ فِي الوَجدِ المُعنَّى
كَما الشَّايُ في الكأسِ الأحمَرِ أُفرِغا

وظنَنتُ أنّكَ لا تخونُ مَودَّتي
فإذا بكَ تُسقيني مَريرَ العَلقما

بَلوَايَ أنِّي كُـنتُ فيكَ مُغيَّبًا
أُلاحقُ خُـطاكَ وَراءَ الخَطا

فَجَنيتُ كفَّارةَ الذَّنبِ مُحتَرِقًا
فَهل تُطفَأُ النّيرانُ بالدَّمعٍ المُذرَفا؟

– مِن بقايا سَراب مُرسل.


لا أنتَ أنتَ ولا الديارُ ديارُ
خَفَّ الهَوى وتوَلّتِ الأوطارُ.

_أبو تمّام.


في غَورِ سَهدي أنَّةٌ وهَميسُ
يُناجِي مَن تَحنُّ لهُ العُيونُ

وتَحتَ سُكونِ ليلٍ مُدلهِمٍّ
يَضِجُّ الصَّمتُ مِن كَمَدٍ شجونُ

تُقيّدُني الخُطوبُ فأينَ رَكبٌ
يُبلّغُ عُذرَ مَن كَلَّتْ ظُنونُ

فلا تَلُمني إذا ما اشتدَّ وَجدِي
فقَلبِي فِي الصَّبابَةِ لا يَعونُ.



20 last posts shown.

231

subscribers
Channel statistics