فُجِعَ الرَسُولُ عَلَيهِ ! .. فَكَيفَ طُرِبتُم؟
لمجالس ذكر أهل البيت عليهم السلام هيبةً لا تُشبهها هيبة، وقداسةً لا تضاهيها قداسة، فهي مجالس نور، تُستَحضر فيها مصائب الطاهرين، وتُستنهَض فيها العبرة والدمعة والخشوع. لكننا وللأسف نرى في زماننا انحرافًا خطيرًا عن هذا النهج، وتغييرًا في هيئة هذه المجالس، حتى بات بعضها أقرب إلى الحفلات منه إلى المجالس الدينية، بل أصبح فيها من الطرب والحماس ما يُشبه الغناء، ويُذهِب أثر الموعظة والخشية من القلوب .
إن الحسين عليه السلام لم يُقتل ليُغنّى عليه، ولم تُذبح طفولة رقية لكي تُذكَر على إيقاعٍ يُحرّك الأجساد بدل أن يُبكِي الأرواح.
مصاب آل البيت أقدس من أن يُمزج بصيحات الحماس الجوفاء، وأشرف من أن يُغلف بأداءٍ يُفرح القلب بدل أن يُكسره.
إن جوهر العزاء هو الوجع، هو الاعتبار، هو استحضار القيم والمظلومية، لا أن نُفرغه من حقيقته ونُلبسه زيفًا يسرق أثره من القلوب.
وما كان لأهل البيت أن يُراد لهم ذكرٌ يُقرّب من الله، ثم نُحيله إلى وسيلة تبعدنا عنه
ما نشهده اليوم من أداء بعض الرواديد ـ إلّا من رحم الله ـ من استخدام ألحانٍ صاخبة تُلهب الحماسة وتُحرّك الجسد بدل أن تُحيي القلب، هو أمرٌ مؤسف لا يمتّ إلى رسالة الحسين عليه السلام بصلة.
فالمجالس الحسينية لم تُنشأ للطرب، ولم تُرَسَّم على الالحان الطربية والميوعة، بل أُقيمت لتذكّرنا بدم المظلوم، وتوقظ فينا ضمائرَ خنقتها الغفلة.
بعض القصائد اليوم لا تُميَّز عن الأغاني في إيقاعها، بل حتى في كلماتها، نسمع ألفاظًا لا تليق أن تُقال في حضرة من بُني الدين على دمهم. هل من اللائق أن نُشبّه حبنا للحسين بالغرام والعشق على الطريقة الدنيوية؟ أو أن نُهتف ونصرخ ونقفز، وكأننا في ساحة رقص لا في مجلس مأتم؟
الحسين لم يخرج طالبًا للهو، بل خرج ليُصلح أمة جدّه، فكيف نجعل ذكره على لحن الطبول وكلمات تفتقر للحياء ؟
إلى من يقول: "هذا جزع على الحسين، وكلنا نجزع"،
نعم، الجزع على الحسين عليه السلام من شعائر الله، وقد بكى له النبي والأئمة، ولكنهم ما جزعوا بطرب، ولا عبروا عن مصيبتهم بهتافٍ يُثير الفرح أو يُوحي بالرقص!
الجزع ليس في الصوت المرتفع فقط، ولا في الحماس المجرد، بل في القلب المكسور، في الدمع الصادق، في التأثر الخاشع.
أما أن نُبدّل حرارة المصيبة إلى أجواء تُشبه المواليد والأهازيج، فذلك ليس جزعًا… بل هو استخفاف بالجزع!
قال الإمام الصادق عليه السلام:
«من أنشد في الحسين شعراً فبكى وأبكى، وجبت له الجنة»
م / كامل الزيارات، الباب 33
فلا تُخدع بكلمة "جزع"، فإن الجزع له ضوابط، ومن يحب الحسين لا يرضى أن يُقال فيه ما لا يليق، ولا أن يُقرأ له بما يُفسد ولا يُصلح.
ليس كل ما يُقال في مدح أهل البيت هو ممدوح، وليس كل لحنٍ باسمه يُقربنا إليهم. بل إنّ بعض هذه الألحان والكلمات تُبعدنا عن حقيقة الولاء، وتُميت أثر الحزن والخشوع في القلوب.
وقال أمير المؤمنين عليه السلام:
"القلوب أوعية، فخيرُها أوعاها"
م / نهج البلاغه
عن الإمام الصادق عليه السلام:
«ما من شيء أحب إلى الله من عبد مؤمن حزين، خاشع، ذليل...»
م/ الكافي، ج2، ص426
ورسالتي لكل رادودٍ أحبّ أهل البيت بحق:
اتقِ الله فيما تؤديه، واعلم أنّ صوتك أمانة، والكلمة مسؤولية، وأنك حين تقرأ في رثاء الحسين، فأنت تقرأ في مصيبةٍ هزّت عرش السماوات. فلا تُشوّه هذا المقام بألحانٍ تُفرغ المعنى من محتواه، ولا تُبدّل حزن عاشوراء إلى طربٍ لا يُليق بذكرى الشهداء.
ولكل مستمعٍ يتأثر بتلك المجالس:
اسأل قلبك: أتبكي خشوعًا أم تهتزّ طربًا؟ إن كان في صوت الرادود ما يُحرّكك بعيدًا عن الحزن، فأغلقه، واطلب الدمع من عينٍ تعرف الحسين بحق.
إنّ حبّ الحسين ليس بالصوت المرتفع، ولا بالنغمات التي تُشبه مجالس اللهو، بل يكون بالدمعة الصادقة، والخشوع الصافي، والسير على خطاه.
فلنُرجع للمجالس هيبتها، وللرثاء دمعته، ولنحذر من التهاون في هذه الأمور، فإنّ أهل البيت سلام الله عليهم لا يرضون أن يُذكروا بمثل هذه الهيئة، ولا أن يُتّخذ حزنهم وسيلة للطرب.
فيا من تحبّونهم بصدق… أفيقوا، وميّزوا بين صوتٍ لله، وصوتٍ للهو.