"الْوَقْتُ مِرْآةُ الْحَيَاةِ، فِيهِ نَرَى مَا مَضَى وَنَتَأمَّلُ مَا هُوَ آتٍ، يَسْلُبُنَا أَشْيَاءَ كُنَّا نُحِبُّهَا، وَيَمْنَحُنَا أُخْرَى كُنَّا نَحْلُمُ بِهَا. أَحْيَانًا، وَبِغَتْرَةٍ دُونَ مُقَدِّمَاتٍ، يَبْدُرُ إِلَى الذِّهْنِ سُؤَالٌ: مَا أَسْرَعَ مَرورَ الْوَقْتِ! بِالأَمْسِ كُنَّا أَطْفَالًا، نَلْهُو فِي الْحَقْلِ كُلَّ ظُهْرٍ، وَنَمْرَحُ بِلَا هَمٍّ، وَالآنَ لَا نَذْهَبُ إِلَيْهِ إِلَّا نَادِرًا، بَلْ نَمْكُثُ فِي الْبُيُوتِ أَيَّامًا. يُذَكِّرُنَا الْوَقْتُ أَحْيَانًا بِمَا كَانَ يُثْقِلُ قُلُوبَنَا، ثُمَّ غَدَا فِي نَظَرِنَا تَافِهًا جِدًّا.
وَعِنْدَمَا نَجْلِسُ نُفَتِّشُ فِي الذِّكَريَاتِ الْقَدِيمَةِ، نَجِدُ صُوَرًا لَنَا، فَنَتَسَاءَلُ: مَا أَسْرَعَ الْوَقْتَ؟ كَيْفَ كَبِرْنَا هَكَذَا؟ ثُمَّ نُصَادِفُ أَشْيَاءَ كَثِيرَةً تُعِيدُنَا إِلَى أَيَّامِ الطُّفُولَةِ، إِلَى تِلْكَ البَرَاءَةِ الَّتِي لَا تُعَوَّضُ، حَتَّى تَغْمُرَ العُيُونَ دُمُوعٌ لَا تُسَاقُ بِإِرَادَةٍ، وَيَخْفِقُ الْقَلْبُ بِحَنِينٍ خَفِيٍّ. فَيُظْهِرُ لَنَا الْوَقْتُ أَنَّنَا لَمْ نَكْبُرْ فِي الْعُمْرِ فَقَطْ، بَلْ كَبِرْنَا فِي الذِّكْرَى، وَتَغَيَّرَتْ فِينَا أَشْيَاءٌ جَمَّةٌ، وَمَعَ ذَلِكَ يَبْقَى الطُّفُولِيُّ فِينَا سَاكِنًا يَنْتَظِرُ لَحْظَةَ اسْتِعَادَةٍ.
وَبَيْنَ مَا يَسْلُبُنَا الزَّمَنُ وَمَا يُعْطِينَا، نَتَعَلَّمُ أَنَّهُ لَا شَيْءَ يَدُومُ، وَأَنَّ مَا يَمْضِي لَا يَعُودُ، فَنُدْرِكُ أَنَّ أَثْمَنَ مَا نَمْلِكُ هُوَ الحَاضِرُ الَّذِي يَتَسَرَّبُ فِي صَمْتٍ، وَأَنَّ أَجْمَلَ مَا نَصْنَعُهُ أَنْ نُحِبَّ اللَّحْظَةَ قَبْلَ أَنْ تُصْبِحَ ذِكْرَى."
- هَجْر .