كم هي عدَميَّةُ الحياةِ،
الوقوفُ في الظلِّ،
والرَّقصُ بلا أملٍ...
عقاربُ الساعةِ ترتجفُ،
وسعيرُ الأشباحِ في رأسي...
يلفِّقُ التُّهَمَاتِ في كلِّ جهةٍ...
لذلك؟
وقفتُ مُدرِكًا حتميَّةَ القَدَرِ،
الآنَ البيتُ المُحترقُ هو كلُّ ما نَملِك،
رَمادُ أُمِّي... أبي... كرامةُ جدِّي،
وزيتونُ الحيِّ القديم...
وقفتُ كحالِ اللَّيمون،
أُدرِكُ مرارةَ الأملِ،
بوطنٍ كلُّ ما فيه...
شوكُ صبَّارٍ حامضٌ.
لكنَّ الغياب،
يا ربَّ الغياب،
كالشَّجرِ الكثير،
كالبحرِ الكبير،
وعيدِ الغدير،
وما تبقّى... من أبرياءَ،
لم تَلمِسْ أيديهم يدُ القَدَر...
صاحَ مُدرِكًا: أيُّكمُ الخطر؟
جَاوَبَ العدمُ... من بطنِ الغياب،
الرُّوحُ تَتلفَّى على مَسارِ الأزَل،
تَبحثُ عن روحٍ لا شوكَ فيها،
عن بيتٍ لا يَتهدَّم،
عن غيابٍ لا يتكلَّم،
وعن رنينِ الإلهِ في أوجِ الألم...
لأنَّ القوَّةَ تنتظر،
والرَّبَّ ينتظر،
والإناءُ الباكي يثورُ ويثور...
يا ليتَ النحلَ لم يُسْبَ،
فَتَقطفَ أوراقَ الريحانِ صبيَّةٌ،
وتنثُرَ دماءَ من أتاها... باكيًا،
بصوتِ الجحيم،
وبمَلقى الأمل...
وبقيتُ أنا...
نادِمًا،
أُدرِكُ أنَّ الحبَّ مُتهالكٌ،
أمامَ المَلَكوتِ المُتهاوي،
في أحضانِ الجحيم...
ولذلك،
يا رمَّانةَ الأمل،
خانتني اللُّغة...
الأطفالُ لا يفقهون،
لا أُخبرُهم كم جثَّةً دفنَّا،
لأسرِقَ الورود،
وأبكيَ الجوع...
تحتَ ظلِّ البيتِ الأخير،
أو ما تبقّى من ذِكراه:
صورةً في هاتف،
لحنًا في ذاكرة،
لبَيتٍ لا نشيدَ فيه،
سوى قصائدِ الأمهات،
وضحكاتِ الأطفال...
سُئلتُ:
كم جثَّةً عليَّ أن أَدفِنَ
بينَ السُّطور،
حتَّى أَغدو كاتبًا مرموقًا؟
هَمَسَ القَدَرُ باكيًا،
ورَنَّمَ الغيابُ
لحنًا جنائزيًّا للوحةِ سقوطِ الوطن...
وعليه أعود،
بألعابي المُحترقة،
لا أحمِلُ إلَّا قلمًا
ومشطَ رصاص...
فأرسمُ القبر،
وطنًا أكبر...
لأبكيَ بينَ يدي شجرةِ اللَّوز:
أبقيني اسمًا تَتَهافَتُهُ الأوراقُ اليابسة،
تُخَبِّئُه الجذور،
فرُبَّما يعودُ الطِّفلُ الذي نسيَ الحليبَ يغلي،
إلى البيتِ الأخير...
والآن؟
لم أعد أنا،
بل ظلُّ كلِّ الذين كتبوا،
ودَفنوا،
وحَلِموا...
دون أن يَصلوا.
فأحشو قلمِي بالرصاص،
وأَضعهُ على صَدغِي،
لا لأموت،
بل لأكتبَ شيئًا
قد يقتلُ الغيابَ نفسه.
•لَيث.