آه، يا صديقًا مضى عاماً كاملاً وأنا أمشي فيه على غير هدىً ، وأنتَ لستَ فيه.
لم تكُن مُجرّد غِياب ، كُنْتَ فجوةً في جِدار الأيام، تهبُ مِنها رياحُ الأسئلة التي لا تُجيب.
كم مرَّت الأعيادُ والمواسم كظِلال باردة، وكثيرٌ من القهوةِ سُكبت على صوتك الذي لم يَعُد .
تعلمتُ أن أقرأ الكُتب حَتى النِهاية دونَ أن أنتظر تعليقك الساخِر على البَطل الغبيّ ،
وأن أخرجَ في الليل دونَ أن ألتفت خلفي خوفًا أن تكون لاحقًا كعادتِك.
لكن الغريبُ أنني صرتُ أسمعُ نبضَك في صمت الردهات ،
وأرى بصمةُ يدكَ على زُجاج النافذة الذي لم تمسحُه قط ،وحينَ تغفو المدينة ، أعيدُ ترتيب أحاديثنا القديمة كبِطاقات بَريدية،
أُقلبُها بِحذر ، أخافُ أن ينهار الورقُ المُحمَّل بالذِكريات .
عامٌ كامل
لم أزُر قبرك فيه ، ليس قسوة ،
بل لأنني كُلما ذهبتُ وجدتكَ واقفًا عندَ البوّابة كما كُنت تفعل حِين تنتظرني مُتأخرًا ،
تقول: "أبطّت يا بطيئ"،وأنا أعرفُ الآن أنكَ لم تكُن تنتَظرني هُناك ،
بل كُنت تُقيم في داخلي، حارسًا لا يغفو لِمدينةٍ أوّشَكت أن تندثِر.
ها قد أتى عامٌ مِن عُمري وأنتَ لستَ فيه ..لكن الكوّن صار أضيق مِن أن يَسَع غيابك،
وكل ثانيةٍ تمُرّ أقتات فيها على ذِكراك،
وكل يومٍ يمُرّ أُدرك أن الرحيل ليسَ أن تذهب،
بل أن تبقى هكذا ،
حكايةً لا تَنتهي •