الفصل السادس: حين تعلّمت الظلال أن تتكلّم
كان الباب الأخير يقف أمامها، يتمايل وسط عاصفة من الهمسات المنسية.
لم يُصنع من خشب، ولا من ضوء، ولا حتى من حلم — بل من الذكرى ذاتها. رقيق كالدخان، لكنه نابض كالنبض الأخير في قلبٍ متعب. وكلما نظرت إليه، تغيّر شكله: مرةً بدا مرآة، ومرةً جرحًا يلمع، ومرةً بوابة تنبض بالسؤال.
وكان الهواء المحيط به ممتلئًا بأصوات، ليست صراخًا… بل همسات.
> "أنتِ صغيرة جدًا..."
"لن تنجحي..."
"القمر سيختفي على أية حال..."
"انسَي."
خفضت القطة رأسها.
أغمضت عينيها.
في هذا المكان، الهمسات لم تكن أصواتًا فقط — كانت شكوكًا، خوفًا، أشباحًا صغيرة تمسك بأطراف روحها.
لكن…
هي لم تأتِ حتى هذا الحد لتعود.
فتحت عينيها.
تذكّرت الجسر المصنوع من أمنيات.
وتذكّرت ضوء الشعرة الفضية.
وتذكّرت الولد الذي بكى وهو يتركها.
وتذكّرت القمر، الذي ما زال ينتظرها، رغم جرحه.
"أنا… أؤمن."
قالتها.
بصوت لا يسمعه أحد، لكنه ارتجف في قلب الباب.
سكنت الهمسات.
وهدأ الهواء.
وتوقّف الباب عن التبدّل… وفتح نفسه.
---
ما وراء الباب لم يكن مكانًا.
كان شعورًا.
مكان بلا أرض، بلا سماء، بلا لون.
فقط دفء.
ثم نبض.
دقّة.
تقدّمت القطة — برفق، بجسارة.
في هذا الفضاء، لم تكن هناك نجوم.
ولا صوت.
لكن كان هناك شيء يتنفس.
شيء قديم.
شيء جرحته الذكرى.
ثم ظهرت هي.
القمر.
لكنها لم تكن دائرةً في السماء. بل كانت امرأة من ضوء. طويلة، هادئة، مغطّاة برداء من حزن جميل.
وفي صدرها… كان الشقّ لا يزال هناك.
نظرت إلى القطة.
> "لقد أتيتِ،" قالت القمر، بصوتٍ كأن الرياح تهامس.
"كما وعدتُ"، ردّت القطة.
اقتربت القمر منها، وأخرجت من صدرها خيطًا مضيئًا — لا مكسورًا، ولا كاملًا. كان يرتجف، كأنه يحمل ألف عمر.
> "النور الذي أحمله… لم يكن يومًا لي."
ومدّت يدها.
فكشفت السماء من ورائها، لتُري القطة صورةً قديمة:
العالم قبل كل شيء.
الظلام ناعم، غير مخيف.
وفي هذا السواد…
قطة صغيرة.
واحدة.
تنام، وتحلم، وتتمنّى.
> أن يكون هناك نور لليالي الآخرين.
ومن ذلك الحلم، وُلدت القمر.
لم تكن ملكة.
كانت وعدًا.
وعدًا صامتًا، بأن الظلام لن يكون وحيدًا.
نظرت القطة إلى الصورة.
> "كنتِ أنا…" همست.
هزّت القمر رأسها.
> "كنتِ بدايتي. وأنا الآن… بدايتكِ."
قدّمت القمر الشعرة الأخيرة.
فأخذتها القطة… وأعادتها إليها.
ونبع نور من صدر القمر.
نور لا يُحرق.
بل يحضن.
عادت السماء إلى الحياة.
وتذكّر الليل أنه ليس عدوًّا.
بل حلمٌ ينتظر من يُصغي له.